عبد العال سالم مكرم
32
من الدراسات القرآنية
ومن هنا فتح الباب أمام المستشرق فقال ما قال : يقول أبو حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط : « وأعجب لعجمي ضعيف في النحو يردّ على عربى صريح محض قراءة متواترة موجود نظيرها في لسان العرب في غير ما بيت ، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب اللّه شرقا وغربا ، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ، وفهمهم ، وديانتهم ) « 1 » . وقد جانب الصواب هذا المستشرق حينما عرض هذه المغالطة التي تتجافى عن الواقع والتاريخ . أما مجافاتها عن الواقع ، فإنه لو كانت القراءات ترجع إلى رسم المصحف لراعتنا هذه الكثرة الهائلة من القراءات التي يحتملها الرسم ، والتي لم يثبت أو لم ترو عن النبي عليه السلام . ذلك لأن الرسم تحتمل الكلمة فيه ، وبخاصة إذا لم تكن منقوطة أو مجردة من الحركات وجوها عدة من القراءات . والقراءات التي بين أيدينا والتي صنفها العلماء والتي دققوا في عرضها ، وتثبتوا من سندها قراءات معروفة محدودة ، وكلها ترجع إلى الرواية والنقل لا إلى الكتابة والرسم . وربما كان من أكبر الأدلة على بطلان رأى جولد تسيهر « أن هذه القراءات رويت وشاعت القراءة بها قبل تدوين المصاحف ، كما كان القرآن محفوظا في الصدور قبل تدوين المصاحف ، ثم حين دونت المصاحف لم يكن النقط عرف ، ولا الشكل اخترع ، فظهرت حركة القراءات قبل النقل والضبط . فكانت قراءاتهم للكلمة على حسب ما يروون وينقلون لا على حسب ما يقرءون في المصاحف » « 2 » . وإذا كان نقل اللغة عن الصحف أمرا معيبا يعدّ تصحيفا ، فالأمر كذلك بالنسبة للمصحف فمن نقل القرآن عنه ، وأغلق أذنه دون الرواية ، وقع في التصحيف ، فحماد الرواية مثلا حفظ القرآن من المصحف ، وقد أخذ عليه أنه كان يقرأ : « وما كان استغفار إبراهيم لأبيه
--> ( 1 ) البحر المحيط ( ج 4 ص 229 ) . ( 2 ) القراءات واللهجات : عبد الوهاب حمودة ص 183 .